الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

339

طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول ( أصول الفقه بأسلوب حديث و آراء جديدة )

1 . ما هو باطل عقلًا ، وهو عبارة عن إنشاء أحكام إلهيّة على وفق آراء المجتهدين بعد اجتهادهم « 1 » ، والوجه في بطلانه عند العقل أنّه لابدّ للطلب من مطلوب ، فلو كان اللَّه تعالى يجعل الحكم بعد اجتهاد المجتهد ، والمجتهد يطلب في استنباطه حكم اللَّه الواقعي فما هو مطلوبه ؟ وبعبارة أخرى : يستلزم منه الدور المحال ؛ لأنّ اجتهاد المجتهد متفرّع على وجود حكم قبله ، والمفروض أنّ الحكم أيضاً متوقّف على اجتهاده . 2 . ما ليس بباطل عقلًا ولكن يكون مجمعاً على بطلانه ، وهو أنّ اللَّه تعالى ينشئ أحكاماً عديدة بعدد آراء المجتهدين قبل اجتهادهم ، فيكون كلّ مجتهد طالباً في استنباطه لحكمه الذي جعله اللَّه تعالى في حقّه ، وهذا وإن لم يكن محالًا عقلًا ولكنّه مجمع على بطلانه عند الإمامية ، حيث إنّهم يعتقدون أنّ لكلّ واقعة حكماً إلهياً واقعياً واحداً للعالم والجاهل ، أصابه المجتهد أو لم يصبه . 3 . ما ليس بباطل عقلًا ولا مجمعاً على بطلانه ولكن الأقوى بطلانه ، وهو أن يكون حكم اللَّه تعالى في مقام الإنشاء واحداً ولكنّه متعدّد في مقام الفعليّة ؛ لأنّ طرقه الشرعيّة متعدّدة ويكون كلّ طريق سبباً لإيجاد المصلحة في مؤدّاه فيكون منشأ التعدّد في الأحكام الفعليّة هو القول بسببيّة الأمارات ، وقد مرّ أنّ الصحيح بطلان السببيّة ، وأنّ المستفاد من أدلّة حجّية الأمارات إنّما هو الطريقية فحسب ، فالأقوى بطلان هذا القسم بحسب الأدلّة المعتبرة عندنا ، وإن لم يكن باطلًا عقلًا ولا مجمعاً على بطلانه . 4 . ما يكون خارجاً عن هذه الأقسام الثلاثة ولا إشكال في صحّته ، وهو التصويب في الأحكام الظاهريّة الذي يوافق مبنى القائلين بأنّ أدلّة حجّية الأمارات وإن لم تكن سبباً لإيجاد المصلحة ولكنّها توجب جعل حكم ظاهري مماثل كما

--> ( 1 ) . وهذا النوع من التصويب قد ينسب إلى الأشعري ، كما نسب إليه النوع الثاني منه ، انظر : الإحكام في اصول‌الأحكام ، للآمدي ، ج 4 ، ص 183 و 184 ؛ الفصول في الأصول للجصّاص ، ج 4 ، ص 296 ؛ المحصول في علم الأصول ، للرازي ، ج 6 ، ص 34